
عندما تفكر في عمالقة كرة القدم الأوروبية، يتبادر إلى ذهنك فورًا نادي ميلان. كان هذا النادي الإيطالي العملاق رمزًا للنجاح في الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من الألفية، حيث توج بالعديد من الألقاب والكؤوس على مدار تلك العقود. في ذروته، كان يضم تشكيلة مليئة باللاعبين العالميين والأساطير مثل باولو مالديني، وأليساندرو نيستا، وأندريا بيرلو، وغيرهم العديد. إلا أن كل ذلك توقف بشكل مفاجئ في بداية العقد الثاني من الألفية.
السقوط الأول: بعد الفوز بلقب الدوري الإيطالي في موسم 2010-2011
بعد تتويج البيغ ميلان بلقب السكوديتو تحت قيادة ماسيميليانو أليجري، كانت السنوات الموالية كابوسًا حقيقيا لمشجعي الفريق . في 2011، غادر أندريا بيرلو إلى السيدة العجوز يوفينتوس، وخلال صيف 2012، فقد النادي نجميه زلاتان إبراهيموفيتش وتياجو سيلفا لصالح باريس سان جيرمان. كانت 2013 هي آخر مرة يشهد فيها مشجعو ميلان دوري أبطال أوروبا خلال العقد الأول من الألفية. ومع مرور الوقت، شهد النادي بعض المواسم التي لم يتأهل فيها حتى للمشاركة في البطولات الأوروبية.

على الرغم من عدة تغييرات في الجهاز الفني، بما في ذلك تعيين أساطير النادي مثل جينارو غاتوزو وكلارنس سيدورف، لم تنجح هذه المحاولات في إعادة الفريق إلى مساره الصحيح. مما أدى إلى عزوف جماهيري من جانب مشجعي النادي الايطالي لمدرجات ملعب سان سيرو احتجاجًا على الإدارة. كانت فترات الانتقالات عمومًا ضعيفة جدًا، مما زاد من إحباط الجماهير. وقد أطلق معجبو وسائل التواصل الاجتماعي على هذه الفترة من تاريخ النادي اسم “عصر الظلمات”، في إشارة إلى تراجع مستوى الفريق مقارنة بماضيه العريق.
عودة باولو مالديني

كان عام 2018 نقطة تحول مهمة لنادي ميلان، حيث انتقلت ملكيته إلى مالكين جدد. شهد صيف ذلك العام أيضًا عودة ربما أعظم لاعب في تاريخ النادي، باولو مالديني. انضم المدافع الأسطوري إلى النادي كمدير استراتيجي، وبحلول صيف 2019 أصبح المدير التقني الجديد. كان التحول في عقلية الفريق واضحًا مع وصول مالديني، الذي لم يتأخر في اتخاذ قرارات صعبة. من أبرز تلك القرارات كان تمديد عقد المدرب المؤقت ستيفانو بيولي في 2020 بدلاً من التعاقد مع المدرب الألماني رالف رانجنيك، وهو القرار الذي أثبت لاحقًا نجاحه.
أثبت هذا القرار صوابه، حيث أنهى ميلان الموسم في المركز الثاني في الدوري الإيطالي، ونجح في التأهل إلى دوري أبطال أوروبا لأول مرة منذ عام 2013. كما جلب مالديني مجموعة من اللاعبين الشباب الموهوبين مثل رافائيل لياو، وساندرو تونالي، وفيكايو توموري، وثيو هيرنانديز، وآخرين، الذين كان لهم تأثير إيجابي كبير على الفريق وأعادوا له بريقه السابق.
كما عاد زلاتان إبراهيموفيتش، الذي كان جزءًا من فريق ميلان الفائز بلقب الدوري في موسم 2010-2011. بفضل قيادة إبراهيموفيتش إلى جانب الجيل الجديد من اللاعبين الشبان وتوجيهات المدرب ستيفانو بيولي، تمكن ميلان من استعادة عرشه في إيطاليا، ليحقق لقب الدوري الإيطالي في موسم 2021-2022 ويعود إلى قمة الكرة الإيطالية بعد غياب طويل لكن دوام الحال من المحال.

صيف سنة 2022: بوادر السقوط مرة أخرى
عند الفوز بلقب الدوري، يكون من الضروري تعزيز التشكيلة في الصيف التالي مباشرة للحفاظ على اللقب. فعند كونك بطلًا، لم تعد الصياد بل أصبحت المطارد. كان مالديني يدرك ذلك جيدًا، لكن رؤساءه لم يشاركوه نفس الرؤية، حيث كان صيف ميلان بعد الفوز باللقب مخيبًا للغاية. فقد الفريق أحد لاعبيه الأساسيين، فرانك كيسي، ولم يتمكنوا من تعويضه بشكل مناسب.
كانت أبرز تعاقدات ميلان في صيف 2022 ضم شارلز دي كيتيلير من كلوب بروج مقابل 32 مليون يورو، لكن اللاعب لم ينجح في تقديم الإضافة المنتظرة. أما بقية التعاقدات، فكانت صفقات منخفضة التكلفة للاعبين مخضرمين، باستثناء لاعب شاب واحد وهو مالك ثياو، الذي أثبت أنه صفقة ذكية من قبل النادي. ومع مرور الموسم، أصبح من الواضح أن الفريق كان يعاني من نقص في الجودة والعمق، حيث كافح ميلان على الصعيدين المحلي والدولي، رغم بدايته القوية في الموسم.
أدت الإصابات والأداء الضعيف إلى تراجع ميلان بسرعة في صراع المراكز الأربعة الأولى. ومع ذلك، قدم الفريق مسارا متميزا في دوري أبطال أوروبا، حيث وصل إلى نصف النهائي. لكن الخسارة أمام غريمهم المحلي الانتر تركت طعما مريرا في مشوارهم، مما خيب آمالهم في مواصلة المنافسة على البطولة التي لهم فيها حصة 7 ألقاب .

إقالة مالديني
بعد إنهاء الموسم ضمن الأربعة الكبار والوصول إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، كان الصيف التالي مهمًا للغاية لميلان. لكن النادي لم يبدأه بشكل جيد، حيث قرر المالكون الجدد، “ريبد بيرد”، إقالة باولو مالديني. لم تحظَ هذه الخطوة بقبول جيد بين المشجعين أو حتى بين اللاعبين الرئيسيين مثل مايك مينيان، وثيو هيرنانديز، ورافائيل لياو، الذين كانوا قد وقعوا عقودًا جديدة قرب نهاية الموسم. كان مالديني هو العامل الكبير وراء هذه التجديدات، مما جعل إقالته يثير استياء الجميع.
زادت الأمور صعوبة على ميلان بعد بيع النجم ساندرو تونالي لنيوكاسل يونايتد مقابل 70 مليون يورو. وعلى الرغم من أن المبلغ يُعتبر تعويضًا جيدًا، فإن بيع لاعب مثل تونالي يشكل سابقة سيئة للنادي. كان لاعب الوسط الشاب يُعتبر ركيزة أساسية في الفريق، فقد نشأ في أكاديمية ميلان وكان يُتوقع له أن يصبح قائدًا للنادي في السنوات القليلة المقبلة.
قال مالديني سابقًا إنه رفض عروضًا كبيرة لنجومه الشبان مثل لياو وتونالي، حيث كان يعتقد أن الاحتفاظ بهم هو جزء من مشروع طويل الأمد. لكن بيع الايطالي تونالي بعد أسبوعين فقط من إقالته أظهر الفارق الكبير بين خطط مالديني ورؤية الملاك الجدد، مما كشف عن اختلافات جوهرية في طريقة إدارة الفريق ومستقبله.
ماهو المستقبل؟
حاليًا، تحت قيادة باولو فونسيكا وبعده كونسيساو، الأمور لا تبشر بالخير لميلان. حتى وقت كتابة هذه المقالة، يعاني الفريق في الدوري الإيطالي ويحتل المركز التاسع. أما على مستوى دوري أبطال أوروبا، فإن الفريق خارج المراكز الثمانية الأولى المؤهلة مباشرة إلى دور الـ16،وتعرض للاقصاء في الملحق
يعد مستقبل نادي ميلان غامضا. فلا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث في المستقبل القريب؛ هل سيشهد الفريق صعودا جديدا، أم سيكون هناك سقوط حر آخر يعيد الفريق إلى الوراء؟.